ابن العربي

504

أحكام القرآن

قال القاضي رضوان اللّه عليه وعلى الصديقة الطاهرة : لقد وفت ما حملها ربّها من العهد في قوله « 1 » : وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ . ولقد خرجت في ذلك عن العهد . وهذا كان شأنها مع سودة بنت زمعة « 2 » لما أسنّت أراد النبىّ صلّى اللّه عليه وسلّم أن يطلقها فآثرت الكون مع زوجاته . فقالت له : أمسكني واجعل يومى لعائشة ، ففعل صلّى اللّه عليه وسلّم وماتت وهي من أزواجه . وقد صرح ابن أبي مليكة بذلك فقال : نزلت هذه الآية في عائشة . وفي هذه الآية ردّ على الرّعن الذين يرون الرجل إذا أخذ شباب المرأة وأسنت لا ينبغي له أن يتبدّل بها ، فالحمد للّه الذي رفع حرجا وجعل من هذه الضيقة مخرجا . الآية الرابعة والخمسون - قوله تعالى « 3 » : وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً . فيها ثلاث مسائل : المسألة الأولى - قال الأستاذ أبو بكر : في هذه الآية دليل على جواز تكليف ما لا يطاق ، فإن اللّه سبحانه كلّف الرجال العدل بين النساء ، وأخبر أنهم لا يستطيعونه ، وهذا وهم عظيم ، فإن الذي كلّفهم من ذلك هو العدل في الظاهر الذي دلّ عليه بقوله « 4 » : ذلِكَ أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا . وهذا أمر مستطاع ، والذي أخبر عنهم أنهم لا يستطيعونه لم يكلّفهم قطّ إياه ؛ وهو النسبة في ميل النفس ؛ ولهذا كان النبىّ صلّى اللّه عليه وسلّم يعدل بين نسائه في القسم ، ويجد نفسه أميل إلى عائشة في الحبّ ، فيقول : اللهم هذه قدرتي فيما أملك ، فلا تسألني في الذي تملك ولا أملك - يعنى قلبه ، والقاطع لذلك الحاسم لهذا الإشكال أنّ اللّه سبحانه قد أخبر بأنه رفع الحرج عنّا في تكليف ما لا نستطيع فضلا ، وإن كان له أن يلزمنا إياه حقا وخلقا . المسألة الثانية - قال محمد بن سيرين : سألت عبيدة عن هذه الآية فقال : هو الحبّ والجماع

--> ( 1 ) سورة الأحزاب ، آية 34 ( 2 ) ابن كثير : 1 - 562 ( 3 ) الآية التاسعة والعشرون بعد المائة . ( 4 ) سورة النساء ، آية 3